مُختفون و مُكلخون
كتبهاهشام منصوري ، في 27 أبريل 2007 الساعة: 23:17 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل يومين، أخذت دفتري الصحي )المدرسي( و بدأت أتصفحه. وأنا أتجول بين صفحات هذا الدفتر الأزرق السماوي الجميل، فوجئت أن جسدي الصغير تم فحصه أكثر من مرة ـ خلال سنوات تمدرسي الإعدادية ـ من شعر الرأس إلى أصابع القدمين، مرورا بأعضائي الداخلية دون أن ينسى الطبيب في كل مرة يوقع أني سليم من كل خلل أو مرض: البصر 10/10، السمع و الطاعة جيدين، الجهاز العصبي، "ww" باقي فالميكة. الجهاز الهضمي، مهضوم. الهيكل العظم، عظيم. الجهاز التنفسي سليم، الجهاز الدوراني سليم. التسليم أخوتي التسليم، هذا هو الباطل!! هذا الدكتور الشبح اسمه سعيد، أما اسمه العائلي فهو غير موجود لأنه تفنن في طبع الأوراق بنصف الطابع فقط، و هكذا يبدو أن الدكتور خبير أيضا بعلم الإجرام و التحري الجنائي و لا أستبعد أن يكون قد وضع قفازات أثناء القيام بعمله.شعرت بالخدعة و الأسى لأن هذا الدفتر الصحي المليء بالإفتراء حملته في حقائبي أينما ذهبت. لازمني ككل المتمدرسين طوال مساري الدراسي، طالما سافر معي من مدينة إلى أخرى دون أن يثير يوما انتباهي أو أفكر في قراءته. أشياء كثيرة نقوم بها دون أن نعرف لماذا. يسهل مثلا أن تشاهد مصليا خارجا من المسجد و هو يرفع نعليه إلى السماء دون أن يكون بجانبه شخص يزاحمه يخشى أن يوسخه. و حتى لا أستدل بالغير فقط، سأستدل بغبائي أيضا، و الذي صقلته المدرسة جيدا فيما بعد ليصبح ما يسمى الكلخ وهو درجة متقدمة من الغباء. فعندما كنت أرافق والدتي إلى الحقول و أتعب أبكي ككل الأطفال مترجيا أن تحملني، فكانت تبتدع حيلة ذكية حيث تطلب مني أن أعد عشرين خنفساء في الطريق، و طبعا لا أكاد أصل العشرة حتى أجدني داخل البيت.نعم، طوال حياتي الدراسية )إن صح التعبير(، لم يسبق لطبيب أن فحصني، باستثناء طبعا الوخز بالإبر ـ وهي بالمناسبة عملية نشتركها حتى مع ضفادع المختبرات ـ وياليتها كانت ذكرى سعيدة تترجم اهتمام الوزارة بصحة تلاميذها. اسمحوا لي أن أعود بكم قرابة العشرين سنة إلى الوراء:كان عمرنا سبع سنوات حين جاء طبيب المدينة إلى مدرستنا بقرية تكنزالت، الواقعة بمدينة ورزازات، انتشرت الإشاعة بين من يدعي أنهم يمتصون دماء أجسادنا الصغيرة النحيلة لأجل بيعه ومن يقسم أنه رأى بأم عينيه هذا الطبيب وهو يتجه نحو المستشفى محملا بقنينة عملاقة من الدم !!!لم يكلف المعلم ولا الطبيب نفسيهما عناء شرح أسباب الحقن ولا أخذ عينات من الدم، فبدى صمت و بريق عيني الطبيب الأشقر مزكيا لنظرية أكبر غبي بالقسم: " إنهم يبيعون دماءنا و يحقنوننا بمادة تجعلك تصبح غبيا و جبانا أيضا " !!هم الهلع بيننا و انتشر صمت رهيب، كسره كلام الطبيب الذي جعلنا نحن الذكور نتنفس الصعداء، فالإناث وحدهن سيلتحقن بالقاعة المجاورة لأجل تلقيحهن…أخذنا ننظر إلى المسكينات بسخرية، طبعا لأنهن سيصبحن قريبا غبيات و جبانات !! في المقابل طلب منا نحن الذكور القيام بعمل بسيط و ممتع في الآن ذاته: ملء قنينات صغيرة بعينات من بولنا.ذهبنا خلف سور المدرسة، وهناك أخذ كل منا يتفاخر بحجم قضيبه الذي لا يلج القنينة أو بصوت بوله القوي الذي يصنع رغوة كثيفة…ملئنا القارورات وعدنا أدراجنا ليستقبلنا المدرس واحدا تلو الآخر ليتسلم العينات منا. واستقباله لي كان الأفضل ! فما إن أمسك قارورتي و نظر إليها في ضوء الشمس حتى صفعني صفعة قوية جعلتني أنسى من أكون…لم أستعد توازني إلا بفضل معلمي (العزيز بالمناسبة) الذي صفعني صفعة أخر على الخد الأيسر و صرخ في وجهي:ـ أيها الحمار طلبنا منك بولك و ليس ماء الساقية !!ـ لكن أقسم أنه بولي، وهو بدون لون لأنني لم أشرب الشاي أو لأني أكثرت من الماء.ـ لا تلعب معي، إذهب و املءها !! وببول حقيقي هذه المرة، أريده أصفرا. أسمعت؟؟!!طلبت من صديقي أن يرافقني، ليس ليكون شاهدا، بل ليملأ قنينتي بدلا مني. لم يكن صديقي الذي ملأ قنينته قبلي و رسم وجوها على حائط المدرسة بما تبقى من ماء داخل مثانته، يشعر برغبة في قضاء حاجته، لكنه تمكن بعد طول انتظار و اعتصار من ملء قنينتي الصغيرة و ببول أصفر كالذهب.كانت خطواتي حزينة، فأنا لم أفهم لماذا ضربني و لماذا لم يفهم أن البول )الذي لا شك يتخلص منه الطبيب في الطريق( لا يكون دائما أصفرا. في بالمقابل فهمت أنه لقح في صغره فأصبح غبيا و…هذه قصتي، لا زلت أبحث عن الدكتور سعيد، السعيد بالتزوير الذي قام به، و بواجبه الذي لم يقم به. عافاك، إيلا كنتي كاتسمع اتصل بالبرنامج، راه المكلخين ديال الكوليج كاملين كايقلبو عليك.هنهنهنهنهن…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























مايو 13th, 2007 at 13 مايو 2007 12:08 ص
إنها الطفولة الضائعة عزيزي هشام.
أختك فاطمة الزهراء
مايو 14th, 2007 at 14 مايو 2007 12:50 ص
أختي فاطمة الزهراء،
لك مني كل الشكر و التقدير، و مرحبا بك في بيت الصراصير.
مساء سعيدا
هشام
مايو 15th, 2007 at 15 مايو 2007 1:12 ص
هشام لن ابالغ ادا قلت انك مبدع بحق و قصبات ورزازات شاهدة على ما اقول
مايو 15th, 2007 at 15 مايو 2007 2:29 ص
هاد الشي كثير عليا أسي عبد الصمد. وفقك الله.
أخوك هشام
مايو 16th, 2007 at 16 مايو 2007 2:50 ص
رائع الاخ هشام و انا سعيد لاكتشاف كتاباتك الساخرة واشكر عفيفي الذي دلني على اين يوجد الضحك للاشارة فنحن معا ننتفض في اسبوعية الانتفاضة التي تصدر اسبوعيا وهي وطنية مستقلة شاملة و اذا أردتم نشر بعض مقالتكم فنحن رهن الاشارة و تحية صادقة وحتى لا أنسى فأيضا كتابتك هادفة
مايو 16th, 2007 at 16 مايو 2007 3:38 ص
أهلا بك أخي رشيد و بجريدة الإنتفاضة العزيزة.
شكرا على الإطراء، و سراق الزيت يسره أن يزور بيتكم الصحفي إن اليا من المبيدات.
المرجو إمدادي بمدونة عفيفي كي أطلع أيضا على كتاباته.
شكرا جزيلا لكما.
هشام.
مايو 31st, 2007 at 31 مايو 2007 3:11 م
حقا وجدت نفسي عاجزة عن ايجاد كلمات معبرة لكتاباتك و أن كانت كلها لن توفي حق ابداعاتكك, أقل ما يمكن أن أقول أنها رائعة
أم أم الغيث
يونيو 1st, 2007 at 1 يونيو 2007 3:02 ص
أم أم الغيث،
كلماتك “كبيرة علي” لكنها طبعا تشجعني كثيرا و تعني لي الكثيـــــــــــــــــــــــــــــر.
هشـــــــــــــــــــــــــــــام
سبتمبر 6th, 2007 at 6 سبتمبر 2007 6:53 م
حقا وجدت نفسي عاجزة عن ايجاد كلمات معبرة لكتاباتك و أن كانت كلها لن توفي حق ابداعاتكك, أقل ما يمكن أن أقول أنها رائعة
أم أم الغيث
سبتمبر 6th, 2007 at 6 سبتمبر 2007 7:37 م
شكرا مرة أخرى أختي أم الغيث.
هشام
أكتوبر 17th, 2007 at 17 أكتوبر 2007 5:55 م
أخي هشام هذه المدونة جميلة و أقترح عليك زيارة مدونتي :http://mansour.maktoobblog.com
أكتوبر 29th, 2009 at 29 أكتوبر 2009 12:13 م
يسلمو اخي مقال جميل ةيكشف زور وفساد النظام التعليمي عندنا .راجين من الله ان ينصلح حاله وان تنطبق علينا الاية الكريمة”كنتم خير امة اخرجت للناس…”
متمنياتي لك بالتوفيق