فوق ورزازات الدولارات لا تحلق
كتبهاهشام منصوري ، في 27 أبريل 2007 الساعة: 22:01 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنتم الآن في بغداد أو بعقوبة أثناء القصف الأمريكي للعراق.
لا يتطلب تصوير مثل هذا المشهد ببعض أحياء ورزازات سوى إضرام النار في إطارات السيارات. المنتج و المخرج سعيدان، يبدو أن الكل يساهم في تحضير "بلاتو" التصوير: كلاب ضالة تشققات في الطرق، خنادق الواد الحار الغير المكتملة، والغبار في كل مكان… كل شيء هنا يسيل لعاب مخرجي أفلام العنف، ويجعلهم يفكرون في حذف بعض مظاهر الدمار أكثر مما يضيفون.
يقولون أنهم يأتون للتصوير هنا لوجود القصبات و النخيل، والإنارة الطبيعية.. صحيح أن المنطقة تتميز باختصارها الفريد لمتناقضات المغرب، فهي تضم في وقت واحد، الثلوج التي تعمم هامات الجبال، وكثبان الرمال والفيافي الجرداء والواحات الخضراء والأودية الجافة. لكن الذي لا يصرح به أحد أن المدينة تعيش تحت "قالب" و "مونتيف" اسمه السينما.
خلال الصيف الماضي، نزل طاقم الفيلم الأمريكي "بابل" لتطأ أرجلهم أرض المطار الوحيد. بعد مشاورات مع وسطاء عارفين بخبايا الصناعة السينمائية هنا، طلب أليخاندرو، مخرج الفيلم، من طاقمه الإستعداد للرحلة. سيسلكون طرقا وعرة في اتجاه قرية صغيرة مختبئة، قصد تصوير بعض المشاهد بها. لم يكونوا يبحثون عن أشجارالنخيل، لأنها موجود في كل القرى، ولا عن الضوء لأن "الضو ديال الصّح هو اللي ضاربنا"، وهو نفسه في كل مكان بالمدينة. فعن ماذا كانوا يبحثون؟ كانوا يبحثون عن مكان هادئ…قرب عيون الماء التي لا تنضب وبعيدا عن عيون المتطفلين التي لا تنام.سيبحثون عن الذهب على الطريقة المريكية، عن الدولارات في بلد الدرهم، وسينجحون!! ففي هذا المكان سيتم كراء البهائم والبيوت المتربة بأثمان بخسة، كما لن يضطر براد بيت و كيت بلانشيت، وباقي نجوم الفيلم إلى التحرك وسط الأعداد الكبيرة من الحراس الشخصيين، فقلة من ستتعرف إليهم و" تتسو ق ليهم". بل أكثر من هذا، ستكون فرصة جيدة لاستغلال سذاجة وحاجة بعض السكان قصد شراء زرابي بألوان مثيرة، وكذا أدوات الأجداد الخشبية والأواني الفخارية قديمة !! حتى الآثار عندنا تهاجر سريا، ومن يدري، يوما ما توجه إلينا التهمة رسميا.ولكي يعبر أليخاندرو عن تعاضد )من العضان وليس التعاضد( واندماج طاقمه مع القبيلة سيتم إشراك امرأة عجوز من سكان القرية لتشارك في الفيلم. قامتها النحيلة، ونظراتها الهادئة، ستجعلان منها نجمة بدون نجومية، بعد أن تقاضت راتبا أقل ما يمكن القول عنه أنه الاستغلال بعينه و " أذنيه". المشكلة هنا أن البعض يوظف كممثل و يتلقى تعويضا كأنه كومبارس.آخرون يتم توهيمهم ( وهذا اجتهاد السماسرة) بأن المخرج لا زال مترددا إن كان سيضيف اللقطة التي سيشاركون فيها أم سيستغني عنها، وكأن المخرج طباخ أعراس.أن نحكم على كون الدور ثانوي أو رئيسي بناء على عدد الدقائق التي ظهر فيها الممثل أمام الكاميرا أمر مجانب للصواب. فالمرأة العجوز التي تحدثنا عنها مثلا لعبت دورا مؤثرا في أحداث الفيلم، إذ ستستقبل في بيتها أحد الجرحى الذين تعرضوا لإطلاق الرصاص وتقوم بعلاجه بالأعشاب الطبية. و بعد أسابيع من التصوير، ستحصل على مبلغ (ربما ثمن الأعشاب) لو حصل عليه براد بيت لما تمكن من اقتناء تذكرة العودة إلى وطنه.ممثلو الخلفيات، ومشاهد الحرب الجماعية الخطيرة أحيانا، يتقاضون أجورا هزيلة ( بالمقارنة مع الميزانيات الضخمة للأفلام، ومع الإيرادات التي يحققها في شباك التذاكر ). فهم يحصلون على 15أورو (150درهم مغربية) لقاء يوم شاق من العمل تحت أشعة الشمس، يبدأ من الرابعة صباحا وقد لا ينتهي حتى العاشرة ليلا. أما "واحد سيدي المونتاج" فله قصة أخرى، إذ يستحيل تكوين فكرة عن قصة الفيلم وتوجهه) العرقي، السياسي، الديني…(بناء على السيناريو.لذلك قبل أن تشارك في أي فيلم يجب أن تسلم أمرك لله، و أن "تدير النية قبل ما تنعس مع الحية"، فقد تعتقد أنك تساهم في تصوير فيلم للحضارة الفرعونية حتى تفاجأ بمؤخرتك تظهر في التلفاز بفيلم شبه إباحي !! وشتان بين الحضارتين، ولو أن اللباس متقارب شيئا ما.بالإضافة إلى عامل اليد العاملة المتوفرة والنجوم الرخيصة، يأتي عامل آخر هام لينضاف إلى اللائحة، إليكم قصة حقيقية طريفة عنه:ذات مرة استقدم مخرج معه مجموعة من سكان التّبت Tibet حتى يلعبوا دور رجال دين، فإذا به يفاجأ خلال تجواله ببعض نواحي المدينة، أنه " تقولب ملي جا مثقل فالطيارة":كل الأجناس والقامات موجودة هنا. فما كان منه إلا أن استنجد بأعداد إضافية منهم، ليزداد ذهولا حينما لم يعد يستطيع أن يميز أفراد المجموعة التي جاءت برفقته من الورزازيين بعدما ارتدوا الملابس البرتقالية الحمراء وحلقوا رؤؤسهم أسوة برونالدو. هذه ليست نكتة، فكتب التاريخ تؤكد أن سكان المدينة مزيج من الأمازيغ و العرب و الأفارقة و اليهود، مما يجعل مخرجي هذا النوع من الأفلام يتوافدون على المدينة لتنوعها الإثني والذي يوفر قاعدة اختيار واسعة للوجوه. هناك القصير و الطويل، الأشقر و الأسمر، الفرعوني و الزنجي…الإنتاج الأجنبي يدر على البلاد أكثر من 200 مليون دولار سنويا (حسب إحصائيات 2003)، مع إحداث المئات من مناصب الشغل في مختلف التخصصات الفنية والتقنية، والمساهمة في تحقيق الرواج التجاري والسياحي، في هذه المنطقة، التي سجل اسمها في عدد من الأعمال السينمائية الشهيرة من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر «غلادييتور» و«الاسكندر الأكبر» و«استيريكس» و«اوبيليكس» و«لابيرل دي سي»و غيرها. نجوم كبار من منتجين ومخرجين وممثلين صوروا بورزازات: ألفريد هيتشكوك، وسيرجيو ليوني ، وأنتوني كوين، وعمر الشريف، وروجي مور، ومايكل دوغلاس، ، وجاكي شان، وريدلي سكوت، وجان كلود فان دام، براد بيت… كلهم نزلوا بالمدينة، لكن مالذي تغير؟ بقيت ورزازات "مشتتة" تماما مثل أحرف إسمها المنفصلة. الصورة الإعلامية رائعة: هوليود المغرب و إفريقيا.. أما الواقع فكله جمود. إسمها أيضا يختزل هذا الصمت، فكلمة «وار» تعني دون، و«زازات» تعني الضجيج. هكذا اختار أهل المنطقة هذه التسمية التي تعني «دون ضجيج». لكن في الواقع مجيء السينما أحضر معه الكثير من "الزازات" الغير ذي فائدة، إنها العجعجة بدون طحين. وإذا غاب الطحين غاب الخبز. أما الخبز الحقيقي فهو استفادة التلاميذ و الطلبة من تكوين احترافية حقيقية داخل شعب فنية و سينمائية. بدون ذلك يمكن أن يسحب البساط من تحت أقدام المغرب في أية لحظة، وتونس قادمة تسير على خطى المغرب في كل الميادين المرتبطة بالسياحة، وتتفادى أخطاءه. وهذا ما تأكد بعيد تفجيرات 16 ماي التي تسببت في تأجيل تصوير بعض الأفلام، فيما تغيرت قبلة أخرى.ما تم تحقيقه في مدينة ورزازات اليوم، وبالرغم من أهميته، لم يساهم إلا بقدر يسير في تطوير السينما المغربية، التي لا يزال جزء كبير من مخرجيها يتجهون نحو مختبرات في فرنسا كي يعدوا النسخ الأخيرة من أفلامهم. هذا التطور لن يتحقق بتعلم حمل الكاميرات أو أدوات الإضاءة للأجانب، و إنما بتكوين مخرجين سينمائيين وكتاب سيناريو وحوار وممثلين قادرين على إبداع وإدارة الأعمال السينمائية بشكل يصنع الفرجة و الحبكة السينمائيتين. في انتظار ذلك تستمر الجوهرة ورزازات ( التي تعيش بدون قاعة سينمائية) في صنع الأفلام العملاقة، بينما تحصد مدن أخرى المهرجانات السينمائية (…). عفوا هذه مزحة فووليود (على غرار هوليوود و بوليوود) تتوفر على قاعتان سينمائيتان، لكنهما مقفلتان منذ أمد طويل، وهذه مزحة أخرى.
ختاما، حينما يتجه عاطلوا المدينة من حاملي الشواهد، إلى مدن " المغرب النافع"- نفعنا الله و إياكم ـ لوضع طلبات للعمل، فإن ملفاتهم تعامل باعتبارها من الدرجة الثانية، وتعطى الأسبقية لأبناء هاته المدن. أما إذا عادوا أدراجهم لطلب العمل بإحدى استوديوهات المدينة، مع المطالبة بإعطاءهم الأولوية على غرار المدن الأخرى، فإن إجابة المسؤولين تكون: " أنتم سواسية كأسنان المشّ " أو المشط.. لم أعد أذكر المقولة جيدا. هذه السياسة ذات الوجهين المتناقضين، تذكرني بما تعانيه شريحة من سكان الجزائر الشقيقة، خلال برنامج تلفزيوني جريء. يتعلق الأمر بالأقزام قصار القامة، حيث استعرض البرنامج لما تعانيه هاته الأقلية من عنصرية، وتهميش وصعوبات من قبيل إيجاد شريك حياة متفهم يرضى بالطول و العرض، و إيجاد فرصة شغل. فحينما يذهب هؤلاء لطلب العمل، يجيبهم رب الشركة: " إن قامتكم ستحول دون أدائكم عملكم على أحسن وجه، واسمحوا لي أن أقول لكم بصراحة، أنكم تدخلون ضمن صنف.. المعاقين". أما حينما يتجهون إلى المؤسسات المهتمة بالمعاقين، قصد الإستفادة من خدماتها كإعادة الإدماج،فإن الرد يكون : " أعزائي الكبار،أنتم لستم بمعاقين، فكل أطرافكم سليمة متعافية". فصرخ أحدهم في وجه الكاميرا: " يا سيدي نحن الآن لا نطلب عملا و لا مساعدة، نريد فقط من الحكومة أن تحسم إن كنا معاقين أو غير معاقين !!!". هذه القصة من الجزائر، لكن من يدري، قد نكون وضعنا اليد على مشكل آخر داخل المغرب. بحال والو !!!

الصورة للمثل الأمريكي "برادبيت" بقرية تكنزالت الورزازية.
بطاقة تقنية حول تاريخ السينما بالمغرب حسب موقع مغربي:
قبل أكثر من 100 عام تم تصوير أول فيلم سينمائي في المغرب وكان بعنوان «لو شيفريي ماروكان» (راعي الماعز المغربي) الذي أنتجه مؤسس الفن السينمائي، الفرنسي لويس لوميير.
لكن قد يظن المرء أن تاريخ التصوير السينمائي بمدينة ورزازات قصير، وهذا مجانب للصواب، فسنة 1922 استضافت المدينة فريق تصوير فرنسي بقيادة المخرج لويتز مورا، الذي صور شريط «الدم». عنوان ربما لم يكن يبشر بالخير. تلاه فريق ثان صور «ان شاء الله». وفي عام 1927 انتهى احتكار السينما الفرنسية لهذه المنطقة، حيث شهد هذا العام تصوير الشريط الألماني «عندما تعود السنونو الى أعشاشها». ولم تتأخر السينما الأميركية في اكتشاف مفاتن ورزازات التي استضافت عام 1930 تصوير «قلوب محترقة» . والتحقت السينما البريطانية بالركب منذ 1938 بتصوير «قافلة الصحراء». واذا كانت تلك الأفلام أقرب ما تكون الى حالات الاستثناء، فان درجة إقبال السينمائيين العالميين على ورزازات ارتفعت وتنوعت بعد الحرب العالمية الثانية، لتتأسس قاعدة جديدة. فاحتضنت ورزازات أفلاما فرنسية وأميركية واسبانية وإيطالية وهولندية وسويدية وبلجيكية، بل وحتى أفلاما من كوريا الجنوبية وجنوب افريقيا وكوبا والبرازيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























مايو 15th, 2007 at 15 مايو 2007 3:02 ص
الصورة التقطت لبرادبيت بورزازات، تحديدا في قرية “تكنزالت” مسقط رأسي..الذي يسقط كل يوم.
الصورة تم التقاطها أثناء تصوير فيلم “بابل” موضوع المقال.
هشام
مايو 7th, 2009 at 7 مايو 2009 4:50 م
لك كل الشكر أخي هشام فالقليل من يستطيع أن يثير مثل هذه المواضيع خاصة من أبناع هذه المنطقة التي يجب أن نخرجها من سكونها الدائم، فشكرا على هذا المقال ونحن في انتظار مقال آخر
عزيز loaz10@hotmail.com
أغسطس 11th, 2009 at 11 أغسطس 2009 5:32 م
شكرا سيد هشام على كل هذا…إنني بالصدفة دخلت إلى هذه المدونة ووجدت مقالاتك وقرأتها كلها…في انتظار المزيد طبعا بكل شوق وشغف…أريد أن أسألك ما سر غيابك عن جريدة المساء؟ وشكرا مرة أخرى